الشيخ محمد رشيد رضا
528
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الهوى أو لم تظهر له فائدته ومنفعته بادي الرأي ، بل يقتضيه حتى فيما يظن المؤمن أنه مناف لمصلحته ، فتحصل له فوائده ومنافعه وان لم يعلم أنه علة أو سبب لها بحسب حكمة اللّه وسننه التي أقام بها نظام العالم الانساني . فكيف إذا علم ذلك بالتفقه في الدين والوقوف على حكمه وأسراره - ككون التوحيد واجتناب نزغات الشرك ترفع قدر الانسان ، وتطهر عقله ونفسه من الخرافات والأوهام ، وتعتق ارادته من العبودية والذلة لمخلوق مثله مساو له في كونه مخلوقا مسخرا لإرادة الخالق وسننه وان فاقه في عظمة الخلق أو عظم المنفعة كالشمس ، أو بعض الصفات أو الخصائص كالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما عبد من دون اللّه ، أو في الملك والسلطان ، فان بعض الناس قد عبدوا الملوك الجبّارين فاتخذوهم آلهة وأربابا ، ومنهم من لا يزال يذل لهم ويطيعهم ولو في الباطل والجور ، خوفا منهم ، أو رجاء في رفدهم ، وليس هذا من شأن الموحدين ، قال تعالى ( فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فالمؤمن الموحد لا يخضع لاحد لذاته الا لربه وإلهه ، وإنما يطيع رسوله لأنه مبلغ عنه ، قال تعالى ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ) وقال خاتم رسله « إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر » رواه أحمد ومسلم من حديث رافع بن خديج ( رض ) وقال « انما أنا بشر مثلكم وان الظن يخطئ ويصيب ، ولكن ما قلت لكم قال اللّه فلن أكذب على اللّه » رواه أحمد وابن ماجة من حديث طلحة ( رض ) بسند صحيح . وقال « انما أنا بشر وانكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته « 1 » من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها » رواه الجماعة كلهم من حديث أم سلمة ( رض ) وفي رواية « فلا يأخذه » بدل تخيير التهديد . وفي بعضها « من حق أخيه » بدلا من « بحق مسلم » وأجمع العلماء على أن هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له . وان الذمي والمعاهد كذلك . ومعلوم ان الذمي هو الخاضع لاحكامنا
--> ( 1 ) اسم تفضيل من لحن إذا فطن لحجته أي ألسن وأفصح وأبين كلاما وأقدر على الحجة ( قسطلاني ) وفي رواية البخاري في كتاب الأحكام من صحيحه « أبلغ » وهو تفسير ألحن